حكم تصرف الزوجة في راتبها دون علم زوجـ,ـها

في كثير من البيوت، وبخاصة في المجتمعات العربية، لا تزال مسألة راتب الزوجة تثير الجـ,ـدل، بين من يرى أنه من حق الزوج أن يعلم أين يُصرف، وبين من يرى أن الزوجة هي المالكة الشرعية له ولها كامل الحرية في التصرف به. وتبدأ التساؤلات تأخذ طابعًا حساسًا: هل يجوز للمرأة أن تتصرف براتبها دون أن تستـ,ـشير زوجها؟ وهل من حقه أن يمنعها من ذلك أو يطالبها بجزء منه؟
في حالات كثيرة، تذهب الزوجة للعمل من أجل تحسين الوضع المالي للأسرة، أو لتلبية طموحاتها، أو لمجرد حبها للاستـ,ـقلال. لكن ما إن تستلم أول راتب حتى يبدأ التدخل من قِبل الزوج، إما بالمطالبة بجزء منه أو بإبداء اعتراضه على طريقة صرفه. بعض الأزواج يتعاملون مع راتب زوجاتهم وكأنه ملكية مشتركة، ويظنون أن من حقهم أن يفرضوا عليها كيف وأين تصرف مالها، وقد يعتبر البعض أن عدم إخبارها له بما تفعل براتبها هو خيانة أو تقصير في حق العلاقة الزوجية.
لكن هل هذا التصور صحيح؟ وهل يحق للزوج فعلاً أن يتدخل في تصرفات زوجته المالية، إذا كان الراتب ناتجًا عن جهدها الشخصي ووقتها؟ وهل يعتبر إخفاء طريقة التصرف فيه أمرًا محـ,ـرّمًا شرعًا أم أنه من حقوقها؟
هناك من يرى أن من واجب الزوجة أن تُطلع زوجها على دخلها، احترامًا للعلاقة الزوجية وحرصًا على الشـ,ـفافية، بينما يرى آخرون أن من حقها أن تتصرف بحرية ما دامت لا تؤذي أحدًا ولا تُقصّر في واجباتها الزوجية. وبين الرأيين تبقى الحاجة إلى حكم شرعي واضح هو الفيصل.
وفي الصفحة الثانية سنكشف الحكم الشرعي بالتفصيل، ومتى يجوز للزوجة أن تتصرف بحرية، ومتى يصبح ذلك منبوذًا أو محرمًا…
للوهلة الأولى قد يظن البعض أن طاعة الزوج تقتضي أن تستأذن الزوجة في كل ما يخصها، حتى إنفاق مالها، لكن الواقع الشرعي أكثر دقة ووـ,ـضوحًا. فالزوجة في الإسلام تُعتبر مالكة مستقلة، لها ذمتها المالية الخاصـ,ـة، تمامًا مثل الرجل. لا يجوز لأحد أن يأخذ من مالها دون إذنها، ولا يحق لأحد أن يُجبرها على دفع راتبها أو مشـ,ـاركته إلا إذا رغبت بذلك.
من حق الزوجة أن تصرف راتبها في احتياجاتها، أو في دعم أسرتها، أو في الصدقات، أو حتى في الترفيه، دون أن تكون مُلزمة بإبلاغ زوجها بذلك، طالما أن تصرفها لا يضر الحياة الزوجية أو يُهمل التـ,ـزاماتها الأسرية. ولا يوجد في الشريعة ما يُلزمها بمشاركته في الراتب إلا إذا اختارت ذلك برضاها الكامل.
أما إذا كان بين الزوجين اتفاق مسبق على أن جزءًا من الراتب سيُخـ,ـصّص لنفـ,ـقات الأسرة، أو أنهما سيتشاركان في تغطية مصاريف المنزل، ففي هذه الحالة يجب الالتـ,ـزام بما تم الاتفـ,ـاق عليه، لأن المسلمون عند شروطـ,ـهم، والوفـ,ـاء بالعهد واجب.
ولا مانع شرعًا من أن تطلب الزوجة الخصوصية في تصرفاتها المالية طالما لم يترتب على ذلك ضـ,ـرر، ولا يجوز للزوج أن يفرض سلطته عليها في هذا الباب بدعوى القوامة، لأن القوامة لا تعني السيطرة المالية، بل هي مسؤولية النفقة والرعاية، أما ما تكسـ,ـبه المرأة بجهدها فهو حقها الخالص.
يجوز للزوجة أن تتصرف في راتبها دون علم زوجها، ولا تأثم على ذلك، لأن مالها ملك لها شـ,ـرعًا، ولا يلزمها استئـ,ـذانه ما دام تصرفها مباحًا ولا يترتب عليه ضـ,ـرر.





