القبض على سيده تمارس السحر
في عصرنا الحالي، تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مساحات للتعبير والتواصل إلى محاكم تفتيش يومية وساحات إعدام معنوي، حيث يمتلك كل شخص هاتفاً ذكياً ينصب به نفسه قاضياً وجلاداً في آن واحد. بضغطة زر واحدة ومن خلال شاشة صغيرة، يمكن تدمير حياة إنسان كاملة، وسلبه كرامته، وتشويه سمعته أمام الملايين دون تثبت أو يقين أو حتى لحظة من التفكير العقلاني. قصة السيدة البسيطة في محافظة الشرقية التي اتهمت ظلماً بممارسة السحر والشعوذة داخل سيارة أجرة، ليست مجرد حادثة عابرة أو قصة إخبارية تستهلك محلياً، بل هي مأساة إنسانية مكتملة الأركان وجرس إنذار يوقظ فينا ما تبقى من ضمير، ويسلط الضوء على وحشية هوس التريند حين يدهس في طريقه الأبرياء والضعفاء بلا أدنى رحمة.
تبدأ تفاصيل هذه المأساة الموجعة في صباح يوم عادي، حيث كانت الحياة تسير بوتيرتها المعتادة. استقلت هذه السيدة سيارة الأجرة الميكروباص متجهة إلى وجهتها المحددة، تحمل معها حقيبة متواضعة، وملامح وجهها تروي بوضوح قصة طويلة من التعب والشقاء والكفاح الصامت. كانت تجلس في زاوية
من السيارة في صمت تام، غارقة في همومها الثقيلة التي تزن الجبال، لا تلتفت لمن حولها ولا تشارك في أحاديث الركاب الجانبية. في تلك الأثناء، ولأسباب تتعلق بالشك المرضي، بدأت نظرات الريبة تتجه نحوها من قبل بعض المتواجدين. تلك النظرات تحولت تدريجياً إلى همسات مسموعة، ثم تطورت سريعاً إلى اتهامات صريحة ومباشرة. وبدافع من الفضول القاتل والجهل المطبق، وتحت ضغط الترهيب، طُلِبَ منها فتح حقيبتها أمام الجميع ليتم تفتيشها في مشهد ينتهك أبسط حقوق الإنسان في الخصوصية.
تحت وطأة الموقف المفزع ونظرات الاتهام المحاصرة لها من كل جانب، فُتحت الحقيبة لتخرج منها محتويات عادية جداً، لكنها بدت في عيون الجاهلين والمندفعين كأنها أدلة دامغة على جريمة بشعة. خرجت من الحقيبة أوراق مطوية بعناية، وزجاجة تحتوي على سائل أحمر اللون. في تلك اللحظة الحرجة، تبخر العقل تماماً وتلاشت الحكمة من المشهد، وسيطرت حالة من الهستيريا الجماعية على كل من في السيارة. تعالت الأصوات الغاضبة، وتداخلت الاتهامات العشوائية التي تطلق جزافاً هذا سحر أسود، هذه أعمال سفلية، هذه محاولة لخراب بيوت عائلة بأكملها. لم يمنحها أي شخص من الحاضرين فرصة واحدة للتبرير أو الشرح أو الدفاع عن نفسها.
في خضم هذه الفوضى، استل أحد الأشخاص هاتفه المحمول، وقرر أن يلعب دور البطل المنقذ، وبدأ في توثيق هذه الجريمة المزعومة وتصوير الواقعة. وجه عدسة كاميرته بلا رحمة إلى وجه السيدة الخائف والمصدوم، متجاهلاً تماماً توسلاتها الصامتة، وضعفها البادي، ودموعها التي كانت تحاول حبسها. في غضون دقائق معدودة، تحولت هذه السيدة من راكبة مسالمة في حال سبيلها إلى شيطانة ودجالة خطيرة في نظر الحاضرين، وتم اقتيادها وتسليمها إلى قسم الشرطة وسط زفة قاسية من الاتهامات الباطلة والتشهير العلني.
داخل أروقة قسم الشرطة، اتخذت الإجراءات مسارها القانوني الروتيني والاعتيادي في مثل هذه البلاغات. طُلب منها الوقوف خلف طاولة وُضعت عليها محتويات حقيبتها التي تم تحريزها، وتم التقاط صورة رسمية لتوثيق المضبوطات المتعلقة بالبلاغ المقدم ضدها. هذه الصورة تحديداً، التي لم تكن سوى إجراء روتيني بحت في مسار التحقيقات الأولية، تسربت بطريقة ما إلى منصات التواصل الاجتماعي، لتكون بمثابة الوقود الجاهز الذي أشعل نار الفضيحة وحولها إلى قضية رأي عام. تناقلت الصفحات الكبرى والمجموعات الصورة ومقطع الفيديو بسرعة انتشار النار في الهشيم، وكُتبت العناوين الرنانة والمثيرة التي تجذب الانتباه وتلعب على وتر الغرائز والخوف المجتمعي من السحر. شارك مئات الآلاف في هذا الهجوم الجماعي الكاسح، يلعنونها ويسبونها ويطالبون بتوقيع أقصى العقوبات القانونية عليها، دون أن يكلف شخص واحد نفسه عناء التفكير في احتمالية براءتها أو يتساءل عن حقيقة تلك الأشياء.
وبينما كانت مواقع التواصل الاجتماعي تغلي بالشتائم والاتهامات والتنمر الممنهج، كانت التحقيقات الرسمية تسير بهدوء وعقلانية شديدة بعيداً عن صخب الغوغاء والمزايدات الافتراضية. بدأ رجال المباحث والجهات المختصة في فحص محتويات الحقيبة بدقة متناهية، والاستماع إلى أقوال السيدة المنهارة التي لم تكن تقوى على استيعاب حجم الكارثة التي حلت بها فجأة. وهنا، تجلت الحقيقة الصادمة التي نزلت كالصاعقة على كل من استعجل الحكم ونصب
لمحة نيوز




