بشرى سارة

في لحظة تاريخية فارقة، اجتمعت مشاعر الفرح الغامر بتحقق العدالة مع ذكريات الألم العميق في حي التضامن بالعاصمة دمشق. كان إعلان إلقاء القبض على المتهم الرئيسي في التضامن، أمجد يوسف، بمثابة نقطة تحول في مسار قضية إنسانية شغلت الرأي العام لسنوات. وفي خضم هذه الأجواء، برزت صورة طفلة سورية لخصت بدموعها وعفويتها رحلة طويلة من الصمود والوجع.
لحظة إنسانية تتقاطع فيها الأجيال
ظهرت الطفلة “رغد ياسين بكار” في موقع التاريخي بالحي، حيث امتزجت أصوات الاحتفال الشعبي بدموعها الصامتة. وعندما سألها والدها عن سبب بكائها، أجابت بكلمات حملت في طياتها مأساة جيل كامل: “فرحت لأنه أخذ أرواح أهلنا، جدي وعمي وخالي كانوا من الضحايا”.
هذا المشهد لم يكن مجرد صدفة، بل كان انعكاساً عميقاً لانتقال الذاكرة الجماعية بين الأجيال؛ فالأطفال الذين وُلدوا في خضم تلك الأزمات لا يزالون يحملون تفاصيل قصص الفقد والرحيل التي طبعتها في وجدانهم. إن تفاعل الطفلة كان تعبيراً صادقاً عن تداخل مشاعر الفرح بانتصار العدالة مع جروح الفقد التي لا تندمل بسهولة.
خلفية : التي وثقها الزمن
تعود جذور هذه المأساة إلى السادس عشر من أبريل/نيسان عام 2013، حين شهد حي التضامن واحدة من أكثر اللحظات قسوة، حيث تم تصفية العشرات من المدنيين في حفرة جماعية. ولم تكن هذه الحادثة مجرد ذكرى عابرة، بل تحولت إلى قضية دولية عندما نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية في أبريل 2022 مقاطع فيديو مسربة وثقت الجريمة بالصوت والصورة، مما كشف للعالم حجم التي ارتكبها المدعو أمجد يوسف وعناصر الفرع 227 التابع للمخابرات العسكرية آنذاك.
دور الاستقصاء في ملاحقة العدالة
لم تصل العدالة إلى المتهم بالصدفة، بل كانت نتيجة لعملية استقصائية دقيقة استمرت لثلاث سنوات. قادت الباحثة أنصار شحود، العاملة في مركز جرائم الإبادة الجماعية بجامعة أمستردام، بالتعاون مع البروفيسور أوغور أوميت أنغور، تحقيقات معقدة استطاعت من خلالها الوصول إلى المتهم وتوثيق اعترافاته.
هذا العمل الاستقصائي، الذي اعتمد على التواصل مع مئات الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق، كان الأساس في كشف هوية الجاني وتحديد مكان اختبائه، مما أدى في النهاية إلى “عملية أمنية محكمة” أعلنت عنها الجهات المختصة مؤخراً، أسفرت عن توقيفه.




