هل يجوز الوصية بدفن المصحف في الكفن ليكون عاصمًا من العذاب؟

 

 

هل يجوز الوصية بدفن المصحف في الكفن ليكون عاصمًا من العذاب؟

انتشرت في الآونة الأخيرة بعض الوصايا الغريبة التي يطلب فيها البعض أن يُدفن معهم المصحف الشريف داخل الكفن، ظنًا منهم أن ذلك سيكون سببًا للحماية من عذاب القبر أو وسيلة للنجاة يوم القيامة. لكن هذا الأمر يحتاج إلى فهم صحيح لأحكام الشريعة الإسلامية، بعيدًا عن العادات والمفاهيم الخاطئة التي لا أصل لها.

المصحف الشريف هو كلام الله عز وجل، وله مكانة عظيمة في الإسلام، ويجب صيانته وتعظيمه وحفظه من الامتهان أو التعرض لما لا يليق به. لذلك فإن دفنه مع الميت داخل الكفن ليس من السنة النبوية، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم فعلوا ذلك أو أوصوا به، رغم حرصهم الشديد على كل ما ينفع الميت.

وقد أوضح أهل العلم أن الاعتقاد بأن وضع المصحف مع الميت يمنعه من العذاب أو يكون سببًا لنجاته هو اعتقاد لا دليل عليه، لأن النجاة لا تكون بمجرد ملامسة المصحف أو حمله، وإنما تكون بالعمل بما فيه من أوامر واجتناب ما نهى عنه. فالمصحف إنما أُنزل ليُقرأ ويُتدبر ويُعمل به، لا ليُتخذ تميمة أو وسيلة مادية للحماية.

 

 

كما أن دفن المصحف داخل القبر قد يُعرضه للتلف والتحلل مع مرور الزمن بسبب الرطوبة والتراب، وفي ذلك امتهان لحرمة كتاب الله، وهو أمر لا يجوز شرعًا. وقد أجمع العلماء على ضرورة حفظ المصحف وصونه عن كل ما قد يفضي إلى إهانته أو الإساءة إليه.

العمل الذي ينفع الميت بعد وفاته ليس وضع المصحف معه، بل ما قدمه في حياته من إيمان وعمل صالح؛ كالصلاة، والصدقة، وقراءة القرآن، وبر الوالدين، والإخلاص لله تعالى. فمن أراد النجاة فليجعل القرآن منهج حياة، يقرأه، ويتدبر آياته، ويطبق أحكامه، فذلك هو الحصن الحقيقي من العذاب.

لذلك، فإن الوصية بدفن المصحف في الكفن لا تجوز، لأنها بدعة لا أصل لها في الدين، ولأنها تتضمن تعريضًا للمصحف للامتهان، فضلًا عن تعلق القلب بسبب لم يجعله الله سببًا للنجاة. والواجب على المسلم أن يتمسك بما ثبت في الشرع، وأن يحذر من المحدثات، فخير الهدي هدي النبي ﷺ.

ومن المهم أن يدرك المسلم أن مسألة القبر والنجاة من عذابه ليست أمورًا تُنال بالتمنيات أو بالمظاهر الشكلية، وإنما تتحقق بالاستعداد الحقيقي للقاء الله سبحانه وتعالى. فالإنسان حين يغادر الدنيا لا يصحبه مال ولا جاه ولا متاع، وإنما يصحبه عمله فقط، كما قال الله تعالى: “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”. لذلك فإن الحرص على الأعمال الصالحة هو الطريق الأصدق للطمأنينة في القبر.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *