يُروى أن بعض الكـ,ـفار سأل مسلماً أن يأتي له بد.ليل على وجـ,ـود الله تعالى

في زمن من الأزمان، وعلى أرضٍ شهدت الكثـ,ـير من الجد..ل بين المؤمنين والجا.حدين، وقف شابٌ مسـ,ـلمٌ وقور، على مشـ,ـارف مجلسٍ عامر بالنقاشات الفلسـ,ـفية، حيث اعتاد بعض الكـ,ـفار أن يجتمعوا فيه لمناقشة مسا.ئل الوجود، والخـ,ـلق، والغـ,ـيب. كانت حجـ,ـجهم متكررة، وأسئلتهم مستـ,ـهلكة، ولكنّهم لا يز..الون يطلبون دليلاً ما,,ديًّا ملموسًا على وجود الله – سبحانه وتعالى.

كان بينهم رجل جر.يء، صاحب لسان سـ,ـليط، اعتاد أن يُثـ,ـير الأسئلة لا ليطلب الحق، بل ليُـ,ـحرج من أمامه، فقال للمسلم أمام الحاضرين:

“إن كنت تزعم أن الله موجود، فأرنا دليلاً واحدًا لا يمكن دحضه! أعطِنا برهانًا لا يس.تطيع العقل أن يُكذّ.به، ولا المنطق أن ينكره.”

ابتسم المسلم بهدوء، ونظر إليه نظرةً فيها ثقة ويقين، ثم قال:

“سأجيبك، ولكن ليس كما تريد أنت. سأحدثك عن شيء تراه، ولكنك لا تتفكّر فيه. دعني أسألك أولًا: هل للفيل عقل؟”

قال الكافر ساخراً:
“كلا، الفيل لا عقل له، إنه مجرد حيوان ضخم، تسيره الغريزة كما تسير سائر الحيوانات.”

تابع المسلم سؤاله:
“وهل تتعلم أنثى الفيل في المدارس؟ هل تُدرّس لها دروس في علوم الولادة أو فنون التمريض؟”

ضحك الحاضرون، وقال أحدهم:
“بالطبع لا، ما هذا السؤال؟ هي حيوان، لا تعرف إلا الأكل والمشي.”

اقترب المسلم أكثر، وخفّت نبرته كأنه سيُـ,ـفشي سرًا:
“إذن أخبرني: كيف لأنثى الفيل، تلك التي لا عقل لها، ولا تعلمت في مدرسة أو قرأت كتابًا، أن تعرف أنها إذا ولدت على اليابسة، فإن وليدها سيموت؟”

تغيّر وجه الرجل، وساد صمتٌ قصير. فتابع المسلم:

“هل تعلم أن أنثى الفيل إذا جاء وقت ولادتها، لا تضع مولودها على الأرض اليابسة؟! بل إنها تسير بحثاً عن ماء، نهرًا أو بحيرة، وتدخل فيه حتى تغمر الماء نصف جسدها، ثم تلد وهي واقفة. لأن الفيل لا يلد جالساً أو راقداً، بل يولد واقفًا.”

نظر الحضور إلى بعضهم بدهشة، فقال أحدهم:
“وماذا بعد؟ ما الغريب؟”

قال المسلم:
“الوليد يسقط من ارتفاعٍ عالٍ، لأن أمّه ضخمة جدًا، ولو سقط على الأرض الصـ,ـلبة لمـ,ـات في الحال. فاختارت الماء، حيث يسقط الطفل برفق، فيطفو على سطح الماء، ثم تلتقطه أمه بخرطومها، وتضعه في مكان آمن.”

ساد صمت عميق، ثم نطق الكافر أخيرًا:
“ومن علّمها هذا؟!”

وهنا ارتفع صوت المسلم بآيةٍ عظيمة تُزلزل القلوب:

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴾
﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾

في تلك اللحظة، لم يكن في المكان صوتٌ أعلى من صوت التأمل. كلمات المسلم لم تكن مجرد إجابات منطقية، بل كانت نوافذ مفتوحة على أسرار الخلق، وكل من كان حاضرًا شعر بأن شيئًا في قلبه بدأ يهتزّ.

هذا المشهد البسيط — عن ولادة أنثى الفيل — أصبح بوابة لفهم شيء أعمق بكثير. ليس فقط عن الحيوانات، بل عن الحياة كلها. كيف أن في كل خلقٍ دليل، وفي كل حركة حكمة.

الماء لم يُخلق فقط للشرب، بل ليرحم وليد الفيل يوم ولادته! والأم، التي لا تقرأ ولا تكتب، تعرف أين تذهب، ومتى تذهب، وكيف تحمـ,ـي صغيرها!

أليس هذا هو الهدى الذي تكلّم عنه الله في قوله:
“قَدَّرَ فَهَدَى”؟

قال أحد الفلاسفة في المجلس:
“إنني أؤمن فقط بما أرى بعيني، وأفهمه بعقلي.”

فرد عليه المسلم قائلًا:
“إذن دعنا نستخدم عينك وعقلك. انظر إلى العالم من حولك: كيف تعرف الطيور طريق هجرتها؟ كيف تُعيد السلاحف إلى البحر بعد سنوات؟ كيف تميز النحلة الزهرة التي تنتج رحيقًا من التي لا تفعل؟! هل درست؟ هل درست السلحفاة الهندسة؟ وهل حضرت النحلة دورة في الكيمياء العضوية؟”

ضحك الحاضرون، ولكنّ الفيلــ,ــسوف سكت.

ثم أضاف المسلم:
“لو أنّ أنثى الفيل لم تهتدِ لهذا الفعل الغريب — وهو الولادة داخل الماء — لما..تت ذريتها وانقرضت هذه السلالة منذ ملايين السنين! ولكنها لا تزال موجودة… وهذا بحد ذاته دليل على أن هناك

من يعلّم كل كائن ما يُصلحه.”إن الطبيعة ليست عشوائية، بل منسّقة وكأنها كتاب مفتوح مكتوب بلغة دقيقة. في كل كائن سر، وفي كل لحظة حكمة.

أنثى الفيل، وهي لا تفكر كما نفكر نحن، ولا تخطط كما نخطط، تعرف بفطرتها ما لا نعرفه. لو طلبت من أذكى أطباء النساء والولادة أن يتقمص دور فيل ليفهم لماذا تختار الماء، لما استطاع.

إنها ليست صدفة، وليست عادة، وليست حظًا، بل هدى من الله. وهذا الهُدى لا يمكن أن يكون إلا من خالق حكيم، يعلم خَلقه، ويعرف حاجاتهم.

قال الله تعالى:
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
وصدق الله.

ما تزال كلمات المسلم تتردد في الأذهان، تتجاوز جدران المجلس وتلامس القلوب، وكأنها لا تنتمي إلى تلك اللحظة العابرة، بل جاءت من عُمق الإيمان لتطرق أبواب العقول الغافلة. لم تكن مجرّد قصة عن حيوان، بل كانت دعوة مفتوحة للتفكر، رحلة من ظاهر الخلق إلى باطن الحكمة.

حقًا… من علّمها؟
من علّم أنثى الفيل أن تبحث عن الماء ساعة الولادة؟
من أوحى لها أن المولود الهشّ لا يحتمل سقطة من علُ؟
من أودع في نفسها هذا الخوف عليه، وهذا التقدير الدقيق للمكان والزمان؟
إنها لم تتعلّم ذلك في مدرسة، ولم يُدرّبها أحد على “كيفية الولادة الآمنة”، ولم تُشاهد مقاطع فيديو تشرح لها أفضل وضعيات الإنجاب.
إنها فطرة مغروسة، هُدى مُبرمج، إلهام لا يأتي إلا من العليم الخبير.

وليس الفيل وحده، بل كل ما في الكون يسير وفق نظامٍ عجيب، يصرخ في وجه العشوائية، ويهدم فكرة المصادفة من أساسها.
الأسماك الصغيرة تعرف متى تخرج من بين الصخور لتأكل، ومتى تهرب من المفترس.
الطيور تهاجر آلاف الكيلومترات في خطوط جوية دقيقة لا تتغير.
النمل يختزن الطعام للشتاء دون أن يسمع يومًا عن المجاعة.
والنحل يبني خلاياه في سداسيات هندسية، لم يدرّسه أحد الهندسة المعمارية.

بل إن الجنين في بطن أمه يتغذى عبر حبل لم يربطه طبيب، ويرتبط بمشيمة لم تصممها يد بشر.
وعندما يولد، يبحث عن ثدي أمه وهو لا يرى.
من علّمه ذلك؟
من أرشده؟
من هداه؟

الجواب لا يحتاج إلى مجلدات…
إنه مكتوب في كل شيء…
في سقوط ورقة الشجر، وفي اهتزاز جناح الفراشة، وفي ولادة أنثى الفيل وسط الماء.

قال الله – جلّ في علاه -:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾

فإن كنت ترى في مشهد ولادة الفيل مجرد سلوك غريزي، فأنت قد رأيت بعينك ولكن لم تُبصر بقلبك.
وإن كنت لا ترى في هذا الهُدى سوى تصرّف حيواني، فقد فاتك أن خلف هذا التصرّف علمٌ، وهداية، وتقدير، ورحمة.

ما أجمل أن نرجع لأبسط المخلوقات كي نتعلم منها دروسًا في الإيمان!
وما أعمق أن تكون الهداية إلى الله قادمة من كائنٍ لا ينطق!
فمن أنثى الفيل إلى قلب الإنسان، تسير الحكمة في خطٍّ مستقيم، يقول لكل ذي لب:

“إن الذي خلق فسوى، هو نفسه الذي قدّر فهدى.”

نعم…
من علّمها؟ علّمها خالقها.
علّمها الذي علّم الإنسان ما لم يعلم.
علّمها الذي قال في محكم التنزيل:

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾

فيا من تبحث عن آية…
اجعل قلبك صفحة، وستجد أن كل شيء حولك يمتلئ بها.

انظر إلى الطير، والنمل، والنحل، والحيوان…
ستراها جميعًا تسير على درب من نور، لا تضلّ عنه، لأنها لم تكفر، ولم تتكبّر، ولم تُعرض عن خالقها.

وحده الإنسان، حين يُعرض… يضلّ.
وحده الإنسان، حين يتكبّر… يعجز عن رؤية الله في بديع صنعه.

فيا من سأل: من علّمها؟
قلها بيقين: علّمها الذي خلقها.
والله لا يخلق شيئًا إلا ويهديه إلى ما يُصلحه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *