عاد إلى قصره دون موعد… وما رآه على مائدة الغداء دمّر كل ما كان يعرفه عن حياته

وصل أليخاندرو إلى قصره دون إنذار في وقت الغداء ولم يتخيل أن بابا واحدا سيفتح له على مشهد يقلب حياته. ارتطم صوت المفاتيح وهي تسقط على الرخام ارتطام طلقة في صمت البهو لكن لا أحد سمعه. أما هو فبقي جامدا عند عتبة غرفة الطعام كأن الدم تجمد في عروقه ثم اشتعل في رأسه في اللحظة نفسها.
عاد قبل موعده بثلاث ساعات في يوم عادي من أيام الأسبوع لا لشيء إلا ليأخذ أوراقا نسيها ثم يعود إلى برودة مكتبه الزجاجي في قلب المدينة. لم يكن ينتظر أن يجد حياة في القصر ولا دفئا ولا ضحكة واحدة. ومنذ جنازة زوجته قبل خمس

سنوات لم تستخدم تلك المائدة الخشبية العتيقة إلا كذكرى ثقيلة لا يلمسها أحد.
غير أن ما رآه أمامه الآن كان يشبه خيانة قوانين البيت نفسها. كانت إلينا الخادمة الشابة التي لم تتجاوز العشرين بزيها الأزرق والأبيض المرتب جالسة إلى المائدة لا تنظف ولا تلمع. والأغرب أنها لم تكن وحدها. حولها أربعة أطفال. أربعة صبيان متشابهون كأنهم نسخ متطابقة يجلسون على المقاعد التي خصصت يوما لضيوف كبار وشركاء أعمال ينظرون إليها بعيون واسعة تتابع كل حركة من يدها.
رمش أليخاندرو مرارا كمن يحاول أن يوقظ نفسه من وهم ثقيل. لم يتجاوز الأطفال الرابعة وكانت قمصانهم زرقاء

مألوفة على نحو مؤلم كأن قماشها انتزع من زمن قديم يخصه هو. وعلى صدورهم مآزر صغيرة مرتجلة. لم تكن هيئة قصر ولا موائد ذهبية. كانت صورة بؤس متخف وسط الفخامة.
همست إلينا بصوت حنون يكاد يوجع القلب افتحوا أفواهكم يا صغاري. وكانت بيدها ملعقة كبيرة ترفع أرزا أصفر بسيطا يتصاعد

منه البخار. طعام متواضع لا يليق بقصر كهذا لكنه كان في أعين الأطفال كنزا لا يقدر. كانت توزع الحصص بدقة غريبة تجعلها متساوية إلى حد مؤلم ثم توصيهم أن يأكلوا ببطء لأن اليوم يكفي الجميع.
كانت ترتدي قفازات التنظيف الصفراء نفسها التي اعتادت بها فرك الحمامات لكنها الآن تمسح بها بقايا الأرز عن أفواههم كأم لا كعاملة. ضحكاتهم الصغيرة كانت جديدة على جدران هذا البيت. ضحكات خافتة تشبه الفقاعات تربك الصمت الذي عاش هنا سنوات.
كان ينبغي لأليخاندرو أن يصرخ أن يقتحم الغرفة ويطرد الغرباء أن يسأل من سمح لهم بالدخول وكيف وصلوا إلى مائدته. لكن قدميه بقيتا مثبتتين في مكانهما. ثم حدث ما جعله يتنفس بصعوبة التفت أحد الأطفال ضاحكا إلى أخيه فالتقط الضوء جانبه وإذا بذلك الأنف وتلك الشفاه حين تنحني وتلك الطريقة الغريبة في إمساك الشوكة بأناقة لا تناسب طفلا بمئزر مرقع كلها كانت تشبهه. تشبهه إلى درجة مرعبة كأن الزمن ألقى له بمرآة تعيد وجهه قبل أربعين عاما.
اشتد خفق قلبه حتى أحس بأضلاعه تضيق. من هؤلاء كيف دخلوا قصرا تحرسه الأسوار والكاميرات وكيف تجلس إلينا معهم بهذا الاطمئنان كأنهم أهل البيت المفقودون
تحرك خطوة. صرير حذائه الإيطالي على الخشب كان خافتا لكنه كان كافيا لالتقاطه عند إلينا التي تعيش على اليقظة. تجمدت الملعقة في الهواء. ثم التفتت ببطء. شحب وجهها كأن الدم انسحب منه دفعة واحدة. التقت عيناهما برودة عينيه الزرقاوين اصطدمت بفزع عينيها البنيتين. وفي اللحظة نفسها توقف الأطفال عن الأكل والتفتوا إليه معا كأنهم جسد واحد يستشعر الخطر.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *